JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

الصفحة الرئيسية

عدم اختصاص المحاكم المصرية بنظر الدعوى المقامة ضد سفير فرنسا

عدم اختصاص المحاكم المصرية بنظر الدعوى المقامة ضد سفير فرنسا بصفته بطلب التعويض عما لحق بالمدعين من أضرار بسبب قتل القوات الفرنسية مورثهم الضابط بالجيش المصري بعد أسره من هذه القوات خلال الحرب العدوانية التي شاركت فيها عام ١٩٥٦ على الرغم من ثبوت عناصر المسئولية.

 

حيث قضت محكمة النقض بأن:(انعقاد الاختصاص للمحاكم المصرية بنظر الدعوى يعتبر مسألة أولية يجب على المحكمة التصدي لبحثها من تلقاء نفسها، وتعد هذه المسألة قائمة ومطروحة دائمًا في الخصومة لتعلقها بالنظام العام، ومن ثم يجوز لمحكمة النقض التصدي لها من تلقاء نفسها، ذلك أن الحكم الصادر في خصومة تخرج عن ولاية المحاكم المصرية لا يكتسب أية حصانة ولا تكون له حرمة ولا حجية في نظر القانون. وكانت قواعد القانون الدولي العام المستمدة من العرف الدولي قد استقرت على عدم خضوع الدول الأجنبية كأشخاص قانونية لولاية القضاء الوطني في المنازعات المتعلقة بنشاطها كشخص دولي ذي سيادة وفيما يصدر عنها من تصرفات بوصفها صاحبة سلطان وسيادة، فلا تخضع للقضاء الوطني إلا بقبولها التنازل عن هذه الحصانة القضائية صراحة أو ضمنًا باتخاذ موقف لا تدع ظروف الحال شكا في دلالته على التنازل عن هذه الحصانة وقبول الخضوع الاختياري للقضاء المصري، تلك الحصانة - وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة- التي لا تخضع بموجبها الدولة لولاية قضاء دولة أخرى- تقوم أساسًا على مبدأ استقلال الدول وسيادتها في المجتمعِ الدولي، وهو من المبادئ المسلمة في القانون الدولي، لأن حق الدولة في القضاء في المنازعات الناشئة عن التصرفات التي تباشرها بصفتها صاحبة سلطان لصيق بسيادتها، وخضوعها لقضاء غير القضاء الوطني يعني خضوع الدولة بأسرها لذلك القضاء، بما ينطوي عليه ذلك من مساس بسلطة الدولة وسيادتها واستقلالها. ولا يغير من ذلك ما يُثار في فقه القانون الدولي العام حول تراجع وانحسار مبدأ السيادة الوطنية وما ترتب على ذلك من تغيير في مفهوم ونطاق فكرة السيادة الوطنية نتيجة التطورات التي شهدها النظام الدولي خلال العقود القليلة الماضية، وخاصة في قواعد القانون الدولي الجنائي، والاستدلال على ذلك بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية عام ٢٠٠٢، وسن بعض الدول قوانين داخلية تخول لقضائها الوطني محاكمة الأفراد المتهمين بارتكاب جرائم دولية خطيرة مثل جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، حتى وإن وقعت هذه الجرائم خارج إقليمها وكان المتهم والضحايا من غير مواطنيها، وهو ما أطلق عليه في الفقه الدولي بالولاية القضائية العالمية، وذلك استجابة للاتجاه المتنامي في المجتمع الدولي نحو احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ووجوب وضع ضمانات دولية تكفل احترام هذه الحقوق وعدم انتهاكها من جانب الحكومات الوطنية والتنصل من تحمل مسئوليتها معتصمة بمبدأ السيادة الوطنية، كما استدلوا بانحسار فكرة السيادة الوطنية على ما حققته المنظمات الدولية عن طريق الاتفاقيات الدولية في سعيها إلي تقنين المسئولية الدولية، بحيث تسمح للدولة كشخص من أشخاص القانون الدولي إذا لحقها ضرر تحريك دعوى المسئولية المدنية على الشخص الدولي المتسبب في هذا الضرر، إلا أن كل ما سبق بيانه لا يكشف عن قيام عرف دولي يسمح للشخص الطبيعي أن يقيم دعوى المسئولية المدنية ضد دولة أجنبية أمام محاكمه الوطنية بالمطالبة بالتعويض عما حاق به من أضرار ناشئة عن التصرفاتِ التي باشرتها هذه الدولة بوصفها صاحبة سلطان وسيادة، ومن أظهر هذه التصرفات ما انطوى على قرار الحرب ولو كانت حربًا عدوانية غير مشروعة، إذ مازال المبدأ الذي يمنع خضوع الدولة الأجنبية كشخص قانوني دولي لولاية القضاء الوطني لدولة أخرى مستقرًا ويسود العلاقات الدولية، بما يتعين معه الالتزام به والقضاء بمقتضاه .لما كان ذلك، وكان الطاعنون قد أقاموا دعواهم على سفير فرنسا بصفته الممثل القانوني لها، بطلب التعويض عما لحقهم من أضرار بسبب قتل القوات الفرنسية مورثهم الضابط بالجيش المصري بعد أسره من هذه القوات خلال الحرب العدوانية التي شاركت فيها عام ١٩٥٦، وبرغم أن المستندات المقدمة من الطاعنين وخاصة كتاب مفوض الهيئة الدولية للصليب الأحمر المؤرخ ٢٩/٤/١٩٥٧، وكذلك الصادرة من وزارة الدفاع المصرية والشهادة التي تفيد منح المورث نجمة الشرف فضلًا عما ساقوه من قرائن يقطع جميعها باستشهاده على يد القوات الفرنسية بعد أسره، وكانت اتفاقيات جنيف الأربع والبروتوكولات الملحقة بها قد أوردت نصوصًا تفصيلية عن كيفية معاملة أسرى الحرب، بما يكفل لهم معاملة إنسانية وتحرم أي عمل يؤدي إلي وفاة الأسير أو تعريض حياته للخطر وأوجبت على قوات الدولة التي قامت بأسره أن ترد على جميع الاستفسارات المتعلقة بالمعلومات عن الأسير، وفي حالة وفاته إخطار الطرف الأخر وإصدار شهادة وفاة تتضمن سبب الوفاة ومكان وقوعها وتاريخها، وإذ لم تلتزم الدولة الفرنسية بأحكام هذه الاتفاقيات الواجبة الاحترام من جميع الدول، سواء كانت طرفًا فيها أو من غير أطرافها، بعد أن اكتسبت هذه الأحكام الصفة العرفية وأصبحت من القواعد العرفية الدولية، التي ليس لها أطراف تنحصر فيهم قوتها الملزمة، بل تنصرف إلي عموم الدول، إذ استقر في الضمير العالمي على أن ما حوته تلك الاتفاقيات من أحكام يعد بمثابة قواعد النظام العام الدولي الملزمة والتي لا يسقط بالتقادم ما يترتب على مخالفتها باعتبارها تمثل الحد الأدنى من الأخلاق الدولية التي لا غنى عنها لوجود الجماعة الدولية، وبرغم ثبوت مخالفة القوات الفرنسية لأحكام اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الملحقة بها -على النحو السالف البيان- بما يستوجب مسئولية الدولة الفرنسية عما قارفته قواتها المسلحة في حق مورث الطاعنين، إلا أن الحصانة القضائية التي تتمتع بها الدولة الفرنسية تعفيها من الخضوع لولاية المحاكم المصرية، ولا يؤثر في ذلك انضمام الدولة الفرنسية إلي اتفاقية الأمم المتحدة لحصانات الدول وممتلكاتها من الولاية القضائية التي نشرت وفتحت للتوقيع بموجب قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة بتاريخ ٢/١٢/٢٠٠٤ التي نصت في المادة ١٢ منها على أنه "ما لم تتفق الدولتان المعنيتان على غير ذلك، لا يجوز لدولة أن تحتج بالحصانة من الولاية القضائية أمام محكمة دولة أخرى، تكون من جميع الوجوهِ الأخرى هي المحكمةُ المختصةُ ، في دعوى تتصلُ بالتعويضِ النقدي عن وفاةِ شخصٍ أو من ضرر لحقه أو عن الإضرار بممتلكات مادية أو عن ضياعها، نتيجة لفعل أو امتناع عن فعل يدعي عزوه إلى الدولة، إذا كان الفعل أو الامتناع قد وقع كليًا أو جزئيًا في إقليم تلك الدولة الأخرى وكان الفاعل أو الممتنع موجودًا في ذلك الإقليم وقت حدوث الفعل أو الامتناع" وهذا النص ولئن كان من شأنه أن يخول المحاكم المصرية ولاية الفصل في الدعوى المطروحة باعتبارها مطالبة بتعويض نقدي عن الأضرار التي حاقت بالمدعين الناجمة عن قتل القوات الفرنسية مورثهم أثناء تواجدها على الأراضي المصرية خلال الحرب العدوانية على مصر سنة ١٩٥٦، بما تتوافر معه الشروط الواردة في ذلك النص والذي يمتنع بموجبه على الدولة الفرنسية الاحتجاج بالحصانة القضائية من الولاية القضائية للمحاكم المصرية، إلا أنه لما كانت مصر لم تنضم إلي هذه الاتفاقية، ومن ثم لا تفيد من أحكامها، لأن الاتفاقيات الدولية الجماعية- وعلى ما جري به قضاء هذه المحكمة- لا تلزم إلا الدول أطرافها في علاقتها المتبادلة، وهي الدول التي صدقت عليها على النحو الذي يحدده تشريعها الداخلي وقامت بإيداع هذا التصديق بالطريقة التي توجبها كل اتفاقية، بما مؤداه، أن الدول التي لم تنضم إلى اتفاقية جماعية معينة تخضع في علاقاتها المتبادلة وفي علاقاتها مع الدول التي انضمت إليها للقواعد المقررة في القانون الدولي، دون تلك التي نصت عليها الاتفاقية، إذ لا يتصور أن تنشئ الاتفاقية التزامات أو حقوقًا للدول غير الأطراف بدون موافقتها، احترامًا لسيادة تلك الدول، كما أنه من غير المقبول أن تستفيد دولة من أحكام اتفاقية ليست طرفًا فيها. لكل ما تقدم بيانه آنفًا، فإن هذه المحكمة لا تملك سوى تقرير عدم اختصاص المحاكم المصرية بنظر الدعوى والوقوف عند هذا الحد، باعتبار أن قواعد الاختصاص القضائي الدولي هي قواعد منفردة تقتصر على تحديد ما إذا كانت المحاكم الوطنية مختصة أم لا ولا تتجاوز هذا النطاق إلى تحديد المحكمة المختصة، فإن الحكم المطعون فيه إذ انطوى قضاؤه في موضوع الدعوى على قضاء ضمني باختصاص المحاكم المصرية بنظر الدعوى، فإنه يكون معيبًا بمخالفة القانون، بما يوجب نقضه وإلغاء الحكم المستأنف والقضاء بعدم اختصاص المحاكم المصرية بنظر الدعوى. وكان الحكم بعدم اختصاص المحاكم المصرية بنظر الدعوى لا يترتب عليه انقضاء الحق الذي رفعت به وإلا كان إنكارًا لحق المدعين في العدالة والانتصاف، وترك الضرر يستقر حيثما وقع دون أن تتحمل الدولة المعتدية مسئولية ما ترتب على عدوانها، وهو ما يشكل ظلمًا بينًا للمدعين، فإن هذا الحكم لا يحول بينهم وبين مطالبة الحكومة المصرية، بوصفها الهيئة التنفيذية والإدارية العليا والممثل الوحيد للدولة والمعبر عن سيادتها في علاقتها بأشخاص القانون الدولي، باتخاذ جميع الإجراءات الضرورية اللازمة على الصعيد الدولي وسلوك كافة السبل التي توفرها قواعد القانون الدولي، بما يكفل الحصول للمدعين على حقهم في التعويض عن الأضرار التي حاقت بهم من جراء قتل القوات الفرنسية لمورثهم بعد أسره، بالمخالفة لاتفاقيات جنيف الأربع والبروتوكولات الملحقة بها وقواعد العرف الدولي الآمرة -على ما سلف بيانه-، ذلك أن السعي الجاد لحماية حقوق المواطنين من عدوان دولة أجنبية لا يدخل في نطاق وظيفتها ومسئوليتها السياسية كسلطة تنفيذية فحسب، بل يمثل التزامًا أخلاقيًا وإنسانيًا، فضلًا عن أنه التزام دستوري وقانوني على عاتق الدولة، مما لا سبيل إلى إنكاره أو النكول به، فهي كما تفرض سيادتها عن طريق أعمال السيادة التي لا تخضع لرقابة القضاء، يجب أن تبسط حمايتها على مواطنيها من كل عسف أو عدوان على حقوقهم سواء كان المعتدي من داخل الدولة أو خارجها، وهو ما يأتي في صدارة واجبات الحكومة وأسمى وظائفها. لـذلك نقضت المحكمة الحكم المطعون فيه، وحكمت في موضوع الاستئناف رقم 7909 لسنة 129 ق القاهرة "مأمورية الجيزة" بإلغاء الحكم المستأنف وبعدم اختصاص المحاكم المصرية بنظر الدعوى وألزمت الطاعنين المصروفات.)

(الطعن رقم 2703 لسنة 87ق – نقض مدني- جلسة 15/6/2020(

 


الاسمبريد إلكترونيرسالة

نموذج الاتصال
الاسمبريد إلكترونيرسالة